مفهوم السياحة العلاجية Therapeutically Tourism

يتميز النشاط السياحي في الوطن العربي بتعدد أنماطه، ومن أهم هذه الأنماط،السياحة العلاجية في الوطن العربي، وهي من أهم الأنماط السياحية التي تهتم بها بعض الدول العربية مثل: الأردن ومصر وتونس سياحياً نظراً لأهميتها الاقتصادية، وقد عَرَف الإنسان السفر بغرض الاستشفاء منذ زمن بعيد يرجع إلى العصر الروماني، حيثما عرفت المنتجعات الاستشفائية التي كانت تقدم الخدمات والتسهيلات بهدف المساهمة في علاج العديد من الأمراض مثل: الروماتيزم وغيرها من الأمراض .

اجتهد العديد من الخبراء والمختصين في وضع تعريف محدد للسياحة العلاجية ، فقد حاول كل منهم وضع مفهوم خاص به ، فقد ذكر (Weiler. 1994) أن منظمة السياحة العالمية عرفت السياحة العلاجية بأنها ،” وفرة الخدمات العلاجية المتمثلة في الموارد الطبيعية للدولة وبالأخص المياه المعدنية والمناخ “، أما (1996. Christie) عَرّف السياحة العلاجية بأنها السفر من أجل العلاج ،محاولة لإرضاء احتياجات وسلامة الفرد ، من خلال الإهتمام بالبدن والعقل لحماية استمرارية البقاء، ويتناول (2003.Pollock) السياحة العلاجية على أساس أنها من الأنشطة الترفيهية والتعليمية التي يمارسها الفرد بعيداً عن العمل والمسْكن ، من خلال استخدام المنتجعات والخدمات السياحية العلاجية للنهوض بصحته والإبقاء على حيويته.

مفهوم Spa 

يرتبط مفهوم كلمة Spa بالعيون المعدنية ،التي تحتوي على نوعيات مختلفة من الأملاح مثل:الكربونات والفوسفات والكبريتات ، بالإضافة إلى المعادن مثل المغنيسيوم والكالسيوم والبوتاسيوم والصوديوم ، ويرجع سبب التسمية بـ Spa إلى مقاطعة في بلجيكا ،تقع على الحدود الألمانية تشتهر بالعيون المعدنية والكبريتية ، ويرى (Huffadine.2000 )أن Spa هي أول شكل للمنتجعات العلاجية بدأت أولاً في بلجيكا ، ثم ظهرت بعد ذلك في باقي دول أوروبا والعالم ،وذكر( Roy .2003) في تعريف الـSpa أنها كلمة ” تعني العيون المعدنية” .

اتسّعَ هذا المفهوم في السنوات الأخيرة ،ليشمل الموقع السياحي الذي يقصده السياح، بما يشمله من كافة أشكال الخدمات والتسهيلات الازمة لاستعادة حيويتهم البدنية والعقلية ، بينما عّرف (Charles.2000) ،الـ Spa بأنها ” فندق أو منتجع يقدم كافة أشكال الخدمات والتسهيلات الصحية ، ويحتوي على عيون كبريتية ومعدنية أو ينابيع ساخنة ” ويشير( Gray. 1998) إلى أن مياه العيون المعدنية والكبريتية ،يتم تصديرها على الصعيد المحلي والدولي، بهدف الإستفادة منها في علاج أمراض الكبد والجهاز الهضمي ، كما الحال في العديد من الدول الأوروبية .

إن مواقع السياحة العلاجية في الوطن العربي، لا تقتصر فقط على الينابيع المعدنية ومياه البحر والرمال الغنية بالمعادن بل تشمل أيضاً المنتجعات العلاجية، التي أصبحت من أهم المنتجعات العلاجية التي يتجه إليها الكثير من الراغبين في قضاء الإجازات في مكان ذي بيئة نظيفة لتحسين صحتهم البدنية لما توفره من راحة واستجمام.

كما تقدم هذه المواقع خدمات إضافية تتمثل في ممارسة العديد من الرياضات ،مع توفير عمالة مدرّبة ، ويمكن القول أن هذا النمط من السياحة العلاجية بدأت العديد من الأقطار العربية بالتوسع به أشار (Gartner. 2003) أن السفر من أجل الحصول على العلاج والصحة يأخذ أنماطُ وأشكالُ متعددة ، فقد يتجه السياح إلى مواقع المنتجعات العلاجية بغرض إنقاص الوزن ،أو الإبتعاد عن الضوضاء أوالإقلاع عن الإدمان والتدخين ، كما يسافر مرضى الروماتيزم والنقرس وأمراض الصدر إلى مواقع السياحة العلاجية المتمثلة بالينابيع المعدنية للاستفادة من المقومات الطبيعية المتوفرة فيها ، بهدف تخفيف ومداواة آلامهم والحصول على العلاج المطلوب.

مقومات السياحة العلاجية في الوطن العربي

تنوع مقومات السياحة العلاجية في الوطن العربي من دولة عربية إلى أخرى، فبعض المواقع تتميز بوجود الرمال المعدنية، وأخرى تتميز بإستخدام مياه البحر في الإستشفاء عن طريق الإستحمام في المياه والدفن في الرمال، كما يوجد العديد من المقومات الطبيعية مثل: الينابيع المعدنية والجو الصحي وطرق العلاج الطبيعية والتقليدية، التي تساعد في تحسين صحة الإنسان،وازدهار وتطوير المنتجعات الإستشفائية ، ومن أبرز مقومات السياحة العلاجية في الوطن العربي،المياه الكبريتية والرمال ذات الطبيعة الخاصة وغيرها من المقومات الأخرى .

التوزيع الجغرافي لأهم مواقع السياحة العلاجية في الوطن العربي

تتوافر في الوطن العربي كل مقومات نجاح صناعة السياحة العلاجية والاستشفائية، وهي مقومات طبيعية بالدرجة الأولى، بدأت في السنوات الأخيرة تتعزز بإنشاء مرافق الخدمات الأساسية، بالإضافة إلى المراكز الطبية الحديثة، والتي تتمتع بوجود كفاءآت طبية وعلمية متخصصة ومنافسة لبعض ماهو موجود في الدول المتقدمة.

يوجد في معظم الأقطار العربية آلاف من المصادر العلاجية الطبيعية، كالينابيع الساخنة الغنية بالمعادن المفيدة في علاج الكثير من الأمراض ،علاوة على توفر أماكن نادرة عالميا مثل منطقة البحر الميت حيث المياه المالحة بالإضافة الى الطين الخاص المشهور عالميا والمستخدم في علاج العديد من الأمراض، وهناك في دول منطقة المغرب العربي برزت طريقة العلاج بمياه البحر، والتي تجد رواجا كبيرا لدى الأوروبيين.

يتمتع الوطن العربي بمناخ متنوع حيث نجد الهواء الجاف في المناطق المرتفعة ذات الطقس المعتدل الملائم لعلاج حالات الربو والأمراض الصدرية ،وهناك الواحات الصحراوية حيث الهواء النقي الجاف، وقد برزت في السنوات الأخيرة مراكز طبية مرموقة في عدد من الدول العربية استقطبت أعدادا كبيرة من المرضى الوافدين من دول أقل حظاً في مستوى الخدمات الطبية.في الآونة الأخيرة شهد عدد من الدول العربية وضع استراتيجيات وخطط بعيدة المدى لإرساء صناعة سياحة علاجية تتكامل فيها عناصر هذه السياحة من مستشفيات ومنتجعات ،وكوادر بشرية مؤهلة وبالتنسيق مع الجهات الأخرى ذات العلاقة.

إن الصورة المستقبلية لصناعة السياحة العلاجية العربية واعدة ومؤهلة للنجاح ومنافسة للمراكز المشهورة عالميًا كتلك المزدهرة في  أوروبا، وهنالك عدد من الأقطار العربية عززت منتوجها من السياحة العلاجية بإقامة قطاع طبي حديث تتوافر لديه أحدث المستشفيات وكافة التخصصات وأندرها ووفرت الكوادر الطبية المتميزة مما جعل دولاً كالأردن ولبنان ومصر والسعودية وتونس -على سبيل المثال- نقطة جذب يقصدها المرضى من الدول العربية الأقل حظاً في ميدان الخدمات الطبية المتقدمة.

ومن أبرز مواقع السياحة العلاجية والاستشفائية في الوطن العربي انطلاقا من رؤيتنا في ضرورة تكافل الجهود العربية للارتقاء بهذا القطاع الذي يسهم في بعض الدول بأكثر من عشرة بالمائة من اجمالي دخل القطاع السياحي العام بل ويساهم في رفد الدخل القومي ويوفر آلافاً من فرص العمل، ويعتبر الأردن واحداً من الدول الرائدة في مجال الاستشفاء العلاجي، حيث أنه بالإضافة إلى موارده الطبيعية العلاجية من المياه المشبعة بالمعادن وشلالات المياه الساخنة والوحل البركاني، فإن الله أيضا قد حباه بالعديد من المستشفيات المتميزة والأطباء البارعين والذين أكسبوا الأردن مكانة معروفة في كافة أنحاء العالم.

ومن أهم مواقع السياحة العلاجية في الوطن العربي :

البحر الميت: 

ويقع إلى الغرب من مدينة عمان و على مسافة (55) كم ،وينخفض عن مستوى سطح اليابس 417- تحت مستوى سطح البحر ,فقد شهد حقباً تاريخية متعاقبة، وغدا أكثر المناطق جذباً للسياح الباحثين عن الدفء والطبيعة الخلابة في فصل الشتاء ،والغرابة التي تتمثل بكونه بحرا لا تعيش فيه الكائنات الحية بسبب ارتفاع كثافة الأملاح في مياهه، ورغم أنه فقير بالكائنات الحية فإن الملوحة الشديدة تشكل كنزاً ثميناً لما تحويه من المعادن، عدا عن كونه أصبح مقصداً مهماً للسياحة العلاجية , فمياهه المالحة علاج لكثير من الأمراض المستعصية كالصدفية و غيرها من الأمراض الجلدية وذلك عن طريق الاستحمام أو استخدام المنتجات الطبية التي تستخرج منه ويتم تسويقها في مختلف بقاع العالم.

تقع منطقة حمامات ماعين والزارا في وسط الأردن ،وإلى الشرق من البحر الميت يوجد في المنطقة أكثر من مائة ينبوع ساخن حيث تصل درجة حرارة المياه فيها 63 في حدها الأقصى ، وجميع هذا الينابيع تتدفق من الصخور مثل : الكريتاسي السفلي المسمى برمل الكرنب ، وينابيع هذه المنطقة كانت ضمن اهتمام القدماء لما لها من الصفات العلاجية ،ولقد ذكرت في كتب القدماء، وفي الكتب السماوية، كما في العهد القديم وأيضاً أطلق عليها اليونان اسم الينابيع الجميلة لموقعها المطل على البحر الميت الواقع إلى الغرب منها .

وفي الإمارات :

هناك العين الفايضة وبحيرات الينابيع الكبريتية ،والتي تعتبر في مقدمة منتجعات البلاد الصحية، كما أن الإستراحة في أسفل جبل حفيت تأخذ موقعها فوق الماء الطبيعي الساخن التي تمتاز مياهه المعدنية بالكثير من الخصائص الطبية ،وقد تم لاحقا التنقيب عن المياه في أسفل جبل حفيت واستطاع المنقبون الوصول إلى مستودع ضخم من المياه الصحية صار فيما بعد وجهة للزوار من المواطنين والمقيمين.

أما تونس:

فقد أسهم موقعها ومناخها بدرجة رئيسة في إعطائها أهمية سياحية خاصة، فشمسها المشرقة على مدار السنة وطقسها المتوسطي المعتدل وطبيعة أرضها المتنوعة كل ذلك جعل منها مقصداً للسياح ، حيث تتوفر العديد من الفنادق،والمنتجعات. الاستجمامية و الاستشفائية القائمة على المياه المعدنية الطبيعية. وللتونسي منذ أقدم العصور إلى اليوم علاقة خاصة بالاستحمام والعلاج بالمياه بفضل العيون والمنابع التي تجري من الشمال إلى الجنوب ،وهي مياه ذات خصائص علاجية هامة مثل التخفيف من الوزن أو آلام الظهر والمفاصل وأمراض العين والأنف والحنجرة وغيرها.

نجحت تونس في اقتحام تجربة أخرى تتمثل في العلاج بمياه البحر الذي يشكل الآن حلاً مثالياً لعدد من المشاكل الصحية على غرار مخلفات الوضع والولادة والتوتر النفسي والعصبي .. الخ، وتعتبر تونس اليوم من الدول المتقدمة جداً من حيث عدد ومستوى الخدمات التي تقدمها هذه المحطات العلاجية والسياحية التي ارتفع عددها إلى 20 مركزاً .

وفي السعودية:

شهدت الخدمات الصحية تطوراً هائلاً خلال العقدين الأخيرين قفزت بها إلى مصاف الدول الأكثر تقدماً في هذا المجال، وكان لظهور مفهوم الرعاية الصحية الأولية وموافقة المملكة على اعتماد هذا المفهوم كاستراتيجية أساسية في خطط التنمية المتتالية بداية مرحلة جديدة ومتميزة في استراتيجية تقديم الخدمات الصحية، وللسياحة العلاجية نصيبها من الأهمية، فالمملكة العربية السعودية تعد من أفضل دول الشرق الأوسط اهتماما بالشؤون الصحية.

تتمتع سوريا:

بوجود أعداد كبيرة من الينابيع المعدنية ذات المياه الغنية بالكبريت والأملاح وتنتشر هذه الينابيع في مختلف أرجاء سوريا ،ففي ريف دمشق يوجد نبع الضمير الكبريتي وحرارته 33درجة مئوية، ويستخدم لعلاج الكثير من الأمراض.

وفي محافظة الحسكة توجد بحيرة الخاتونية، وهي عبارة عن بحيرة طبيعية مياهها مالحة تحيطها غابة طبيعية وكذلك يوجد في محيطها العديد من أنواع النباتات الطبية والعطرية. وموقع نبع قطينة :(يقع جنوب رأس العين 10كم ورأس العين تبعد 85 كم عن مدينة الحسكة) يتميز الموقع بتنوع الغطاء النباتي وبعض الأشجار الحرجية والمثمرة والهواء العليل النقي وانسياب المياه من النبع إلى نهر الخابور الذي يعطيه المنظر الرائع، ويستفاد من المياه الكبريتية الموجودة في الاستشفاء من الأمراض الجلدية.

تمثل العيون المائية التي تنتشر في أنحاء سلطنة عمان والتي تعد وجهات سياحية يقصدها السياح من مختلف مناطق السلطنة وخارجها، فهي إضافة إلى كونها مواقع ترفيهية وتخييم تمثل للبعض وجهات للبحث عن العلاج الطبيعي من بعض الأمراض الجلدية.وتمتاز بعض العيون المائية بسلطنة عمان بدرجة حرارتها المرتفعة اضافة الى ما تحتويه مياهها من مواد وغازات.وتنبع العيون المائية طبيعيا ودون تدخل الإنسان باختلاف طبيعة المياه المتدفقة منها، كما أن العيون الباردة هي التي تكون درجة حراراتها قريبة من درجة حرارة الهواء المحيط بها ،والعيون الحارة هي التي تزيد درجة حرارتها بمعدل درجة مئوية لكل 25 إلى 40مترا عمقا.

ويوجد بسلطنة عمان:

الكثير من العيون الدائمة، كما توجد هناك عيون مائية موسمية وهي التى تسيل مياهها خلال سنوات الخصب ،أو موسم معين من السنة ومثال ذلك العيون المائية بمحافظة ظفار التي تتدفق معظمها في موسم الخريف خلال الفترة من شهر يونيو إلى سبتمبر من كل عام.

بعد أن تمكن لبنان:

من إستعادة سمعته الطبية عاد ليشكل المكان الأكثر جذباً وتخصصاً للسياحة العلاجية العربية، وأصبح مركزاً اقليمياً رائداً في قطاع السياحة الصحية في منطقة الشرق الأوسط ،إذ يمتلك كل مقومات السياحة العلاجية ،من خلال هذه الإمكانيات يمكن تقديم سلة واسعة من الاختصاصات الطبية لطالبي العلاج .

توجد في معظم دول المنطقة مراكز استشفائية مرموقة منها ما يتخصص في التغذية والحمية ،وتقدم هذه المراكز خدماتها إلى المهتمين بصحتهم وتزداد القناعة إلى توفير نمط حياة جديدة تحقق الموازنة الغذائية والرشاقة والوقاية والتكيف مع الاحتياجات التي تفرضها الأمراض المعروفة مثل: السكري، الضغط، الكوليسترول والسمنة وجميعها تحتاج إلى عناية خاصة ونظام غذائي متزن ومن هنا تعززت فكرة -دايت سنترز- لتنتشر في العالم العربي ابتداء من بيروت منذ عام 1990 إلى السعودية، والكويت وقطر وغيرها .

تتوافر في مصر :

كافة المقومات الأساسية لنجاح السياحة العلاجية ،ومنها البيئة الطبيعية والتراث التاريخي والأثري ،فمصر تتمتع بموقع جغرافي فريد كما تتمتع بالمناخ الجاف المعتدل بجانب انفراد مصر وغناها بعيون المياه المعدنية والكبريتية العادية والساخنة والتي تبلغ نحو 1356عينا موزعة في جميع أنحاء البلاد ،كما أن مصر تطل على ساحلين طويلين على البحرين المتوسط والأحمر ،وهو ما يعني تنوع شواطئها ومياه بحارها بما لها من خواص طبيعية مميزة ،وما تحتويه تربتها من رمال وطمي صالح لعلاج العديد من الأمراض.